صديق الحسيني القنوجي البخاري

514

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَمَتاعاً أي نمتعهم بالحياة الدنيا إِلى حِينٍ وهو الموت ، قاله قتادة : وقال يحيى بن سلام إلى القيامة . وَإِذا قِيلَ لَهُمُ بيان لإعراضهم عن الآيات التنزيلية بعد بيان إعراضهم عن الآيات الآفاقية التي كانوا يشاهدونها وعدم تأملهم فيها اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ من الآفات والنوازل فإنها محيطة بكم . وَما خَلْفَكُمْ منها قال قتادة : أي اتقوا ما بين أيديكم من الوقائع فيمن كان قبلكم من الأمم ، وما خلفكم في الآخرة . وقال سعيد بن جبير ومجاهد : ما بين أيديكم ما مضى من الذنوب وما خلفكم ما بقي منها ، وقيل : ما بين أيديكم الدنيا وما خلفكم الآخرة ، قاله سفيان وحكى عكس هذا القول الثعلبي عن ابن عباس ، وقيل : ما بين أيديكم ما ظهر لكم وما خلفكم ما خفي عنكم وجواب إذا محذوف ، والتقدير إذا قيل لهم ذلك أعرضوا كما يدل عليه إلا كانوا عنها معرضين . لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي رجاء أن ترحموا أو كي ترحموا أو راجين أن ترحموا . وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ ما هي النافية وصيغة المضارع للدلالة على التجدد ومن الأولى مزيدة للتوكيد والثانية للتبعيض والمعنى : ما تأتيهم من آية دالة على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم وعلى صحة ما دعا إليه من التوحيد في حال من الأحوال . إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ وظاهره يشمل الآيات التنزيلية والتكوينية ، والمراد بالإعراض عدم الالتفات إليها وترك النظر الصحيح فيها ، وهذه الآية متعلقة بقوله : يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [ يس : 30 ] « إذا جاءتهم الرسل كذبوا وإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها » . وَإِذا قِيلَ لَهُمْ إشارة إلى أنهم أخلوا بجميع التكاليف لأن جملتها ترجع إلى أمرين : التعظيم لجانب اللّه والشفقة على خلق اللّه . أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي تصدقوا على الفقراء مما أعطاكم اللّه وأنعم به عليكم من الأموال ، قال الحسن : يعني اليهود أمروا بإطعام الفقراء ، وقال مقاتل : إن المؤمنين قالوا لكفار قريش : أنفقوا على المساكين مما زعمتم أنه للّه من أموالكم من الحرث والأنعام كما في قوله سبحانه : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً [ الأنعام : 136 ] فكان جوابهم ما حكاه اللّه عنهم بقوله : قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا استهزاء بهم وتهكما بقولهم . أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ أي من لو يشاء اللّه رزقه ؟ وقد كانوا سمعوا المسلمين يقولون : إن الرازق هو اللّه ، وإنه يغني من يشاء ويفقر من يشاء ، فكأنهم حاولوا بهذا القول الإلزام للمسلمين ، وقالوا : نحن نوافق مشيئة اللّه فلا نطعم من لم